الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
461
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
الامتثال عرفا غير الإتيان بما هو مطلوبه تعالى في الواقع مع عدم العلم بحصوله ومع الغض عن ذلك فيمكن تعسر الاحتجاج في الجملة بأن يراد فيه أنه يجب العلم بأداء مطلوبه تعالى إذ كما يجب الإتيان بمطلوبه تعالى يجب العلم بأدائه أيضا والعلم بأدائه يتوقف على ترك الجميع من غير إشكال ثالثها النقض بغير المحصور فإن اجتناب الحرام هناك واجب أيضا ولا يتم إلا باجتناب الجميع فما يجاب به هناك يجاب في المقام ويمكن دفعه أولا بأنه وإن كان يقتضي وجوب الاجتناب عن الجميع هناك أيضا إلا أنه خرج ذلك بالدليل لقيام الإجماع على عدم وجوبه وقضاء العسر والحرج به مضافا إلى الفرق الظاهر بين المحصور وغير المحصور حيث إن احتمال إصابة الحرام في المحصور مما يعتد به في العادة بخلاف غير المحصور وقد مر تفصيل القول فيه الثالث أن أحد المشتبهين محرم وكل محرم يجب الاجتناب عنه فالاجتناب عن الحرام المفروض واجب أما الكبرى فظاهر وأما الصغرى فلقضاء ما دل على تحريم ذلك الشيء بدورانه مدار التحريم الواقع المفروض حصول العلم بوجوده في المقام وأيضا المفروض في المقام اشتباه الفرد الحلال بالفرد الحرام مع تحقق الأمرين فلو لا وجود الفرد الحرام لم يتحقق الفرض المذكور أنه يدعى حصول الإباحة من جهة الاشتباه لقيام الدليل عليه كذلك وإذا ثبت تحريم المصداق المفروض يخصص به القاعدة الدالة على الإباحة بل كان خارجا عنها للعلم بحصول التحريم بالنسبة إليه وحيث إن الخارج مجهول دائر بين الأمرين كانت القاعدة المذكورة بالنسبة إليه كالعام المخصص بالمجمل فلا حجية فيها بالنسبة إلى مورد الاشتباه فلا دليل إذن على حلية شيء منهما في الظاهر ولا كلام ظاهرا بعد ذلك في عدم جواز الإقدام عليه فإن القائل بجواز الإقدام إنما يقول من جهة اندراجه تحت الأصل المذكور ومع الغض عنه فالعقل حاكم في مثله بصدور أن الأمر بين الوجهين وعدم قيام دليل في الظاهر على البناء في خصوص كل من الأمرين على المنع من الإقدام حسبما مر بيانه في الوجه المتقدم الرابع ما روي عنه عليه السلام أنه ما اجتمع الحرام والحلال الأغلب الحرام الحلال وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة إلا أنها مجبورة بعمل الأصحاب وحملها على خصوص صورة الامتزاج مما لا داعي إليه ودعوى ظهور تلك الروايات في غير صورة الامتزاج وهذه فيها أو كونها أعم من الامتزاج وغيره فيكون التعارض بينهما من قبيل العموم المطلق فيحمل المطلق على المقيد غير متجهة أما القول بانصراف هذه إلى خصوص الامتزاج فمما لا شاهد عليها في الرواية بل ظاهر إطلاقها يعم غيره قطعا وأما دعوى كون التعارض من قبيل العموم المطلق فمدفوعة بظهور تلك الروايات في صورة دوران الفرد بين الاندراج تحت النوعين كما هو المفروض في الصورة الثانية من الصور المتقدمة من غير أن يكون هناك علم بحصول المقدمتين في المقام واشتباه في التعيين كما هو المفروض في الشبهة المحصورة وهذه الرواية ظاهرة فيما يعم هذه الصورة وصورة الامتزاج فلأنه يتواردان على محل واحد حتى ثبت التعارض بينهما ولو قيل بشمول تلك الروايات للشبهة المحصورة لدوران كل من المصداقين بين الاندراج تحت كل من النوعين فالمعارضة بينهما من قبيل العموم من وجه لشمولها للصورة السابقة قطعا وعدم اندراج تلك الصورة في هذه الرواية والمرجحات من جانب الرواية المذكورة نظرا إلى موافقتها للمشهور بين الأصحاب والاحتياط والروايات الكثيرة الواردة في جزئيات الشبهة المحصورة الدالة على المنع في الموارد الخاصة الخامس أن الظاهر من تتبع الأخبار الواردة في خصوصيات الشبهة المحصورة مثل ما ورد في الإناءين المشتبهين وما ورد من الأمر بغسل الثوب كله عند اشتباه المحل النجس منه وما ورد من منع اللحم إذا اشتبه الميتة منه بالمزكاة من يستحيل الميتة الظاهر في حرمتها كما في روايتين وما دل على الصلاة في الثوبين المشتبهين كما في حسنة صفوان وقد أفتوا بمضمونها إلى غير ذلك مما ورد أن المشتبه بالحرام مما يجب الاجتناب عنه وأن المشتبه بالنجس في حكم النجس في عدم جواز استعماله فيما يشترط بالطهارة من رفع حدث أو إزالة خبث أو أكل وشرب ونحوها وليس ذلك من قبيل الاستقراء الظني كما قد يتوهم بعض العبائر ليكون من قبيل إثبات القواعد النحوية ونحوها من تتبع مواردها بل نقول إنه مستفاد من ملاحظة جميع تلك الأخبار فهو مدلول عرفي لمجموع تلك الروايات وكما أن المستفاد من ظاهر خبر واحد حجته شرعا فكذا المستفاد من جميعها بعد ضم بعضها إلى بعض لاندراجه إذن تحت المداليل اللفظية فيدل على جواز الاتكال عليه ما دل على حجية ظواهر الألفاظ حجة حجة القول بالإباحة مطلقا أمور أحدها أن حرمة تلك المصاديق وجريان أحكام النجس عليها في المشتبه بالنجس تكليف شرعي يتوقف ثبوتها على العلم سيما بالنسبة إلى الموضوعات ولذا يجوز استعمال ما لم يعلم حرمته أو نجاسته بالمرة والعلم بحرمة أحدهما أو نجاسته لا يثمر في المقام لعدم قضائه بالعلم بحرمة شيء خاص فالجهل أولى بالنسبة إلى كل منهما وهو قاض بنفي التكليف كيف ولو كان العلم الإجمالي كافيا في إثبات التكليف لجرى في غير المحصور للعلم بحرمة البعض ونجاسته أيضا مع أنه لا يثمر في الحكم بنجاسته شيء من الخصوصيات وكذا الحال في الجناية الدائرة بين الشخصين مع العلم به وبالنسبة إلى أحدهما فإنه لا يثمر في إثبات التكليف بالنسبة إلى شيء منهما فمقتضى الأصل المقرر هو البناء على عدم التكليف حتى يقوم دليل على ثبوته والعلم بتحريم أحد الشيئين أو الأشياء غير قاض من باب العلم بتحريم الخاص كما أن العلم بثبوت حرام ما ونجس ما غير قاض بثبوت الحرمة بالنسبة إلى الخاص والعلم بثبوت الجنابة لأحدهما لا يقضي بالحكم بها بالنسبة إلى شيء منهما الثاني عدة من الأخبار الدالة على معذورية الجاهل عما مرت الإشارة إليها فإنها بإطلاقها يعم الجاهل بالموضوع بل ربما يدعى ظهور بعضها في ذلك دون الحكم حسبما مرت الإشارة إليه منها قوله عليه السلام رفع عن أمتي تسعة أشياء وعد منها ما لا يعلمون وقوله عليه السلام أيما امرؤ ركب أمرا بجهالة فلا شيء عليه ونحوهما الثالث الأخبار المستفيضة الدالة على حلية الحلال المختلط بالحرام إلا ما علم أنه حرام بعينه منها صحيحة عبد الله بن سنان المقدم المروية في الفقيه والتهذيب عن الصادق عليه السلام ومنها ما رواه عبد الله بن سنان أيضا في الصحيح عن عبد الله بن سليمان قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن الجبن فقال لي قد سألتني عن طعام يعجبني ثم أعطى الغلام درهما فقال ابتع لنا جبنا ودعا بالغذاء فتغذينا معه وأتي بجبن فأكل وأكلنا معه فلما فرغنا من الغذاء قلت له ما تقول في الجبن فقال لي أو لم ترني آكله قلت بلى ولكني أحب أن أسمعه منك فقال سأخبرك عن الجبن وغيره كل ما فيه حرام وحلال فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه وفي رواية